الخــــواء الــــروحي أسبابه وعلاجه من السنة النبوية

بقلم : د.جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

تعريف الخواء الروحي :

أولاً : التعريف اللغوي

    أ الخــواء

مصدر من خوى، وخوى بمعنى خلا فيقال خوى الجوف من الطعام: أي خلا عنه ( فهو فارغ لا شئ فيه ) .

ويقال : خويت الأرض خواءً : أي خلت من أهلها

    ويقال خلت النجوم خيّاً : أمحلت فلم تمطر[1] .

ونستنتج مما سبق أن الخواء له معان هي :

     1.       الاختلاء والفراغ عن الشئ .

     2.       الامحال والجدب .

كما جاء أيضاً أن الخواء بمعنى السقوط كما في قوله تعالى (خاوية على عروشها) أي ساقطة حيطانها على سقوفها[2].

ب- الروح :

هو ما به حياة الأنفس، والروح تطلق على القرآن أحياناً وعلى سيدنا جبريل وعلى سيدنا عيسى وعلى حكم الله وأمر النبوة، وقد تطلق على وجه الإنسان وجسده[3] .

ثانياً : التعريف الاصطلاحي :

يمكن التماس التعريف الاصطلاحي في ضوء ما سبق ذكره من التعريف اللغوي بأن خواء الروح “إمحالها وإجدابها وخلائها عما يسعدها ويطمئنها ويسكنها ” .

وهو مرض نفسي يصيب فئات كثيرة من الناس وخاصة غير ذوي العقيدة الراسخة من الماديين وأهل الدنيا ممن أعرضوا عن الله ونسوه قال تعالى ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) .

وذلك عقاب الصد عن الله سبحانه، حيث من كان مع الله كان في أمن ورغد وسعة وسعادة ومن أعرض عن الله لاقى الجوى وتخطفته الشيطان حيران في الأرض قال تعالى ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكى ونحشره يوم القيامة أعمى ) .

وهذا المرض قد أصاب كثير من الشباب والشيوخ في عالمنا الإسلامي عالم الروح والقرآن والإيمان وهذا داع من دواعي العجب، وجدير بنا أن نبحث في أسباب هذا الخواء الروحي ومظاهره وأن نتلمس سبيلاً لعلاجه من السنة النبوية إذ الرسول هو القدوة العليا والنهجة المثلى التي ينبغي الاقتداء بها ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) .

أسباب الخواء الروحي ومظاهره :

أولاً : فساد العقيدة :

أرى أهم سبب من أسباب خواء الروح وفساد النفس هو خلل العقيدة إذ العقيدة هي العقد الوثيق بين العبد وربه وهي الميثاق الذي يدخل به المرء المسلم في الإسلام، فيعقد على ذلك قلبه، وتأنس بها روحه وتطمئن بذلك نفسه، ومعقد أصول عقيدة الإسلام هو ( لا إله الله محمد رسول الله ) أي لا معبود بحق إلا الله وهو مقتضى توحيد الألوهية والذي يعدّ أهم نوع من أنواع التوحيد ثم يليه توحيد الربوبية فتوحيد الأسماء والصفات، ولا يعني ذلك أن يفرق بين أنواع التوحيد، بل ينبغي للعبد أن يوقن ويعتقد في توحيد الله مطلقاً .

وصدق القائل :

أول واجب على العبيد               معرفة الرحمن بالتوحيد

وإذا أيقنت النفس بالله وبوجود الله ووحدانيته واقتداره ولاحظت عظمته … تطمئن وتسكن وتركن لربها ويذهب عنها حزنها وهمها وبالتالي تأنس الروح وتتشبع بحب ربها ويذهب عنها خواؤها، وصدق الله إذ يقول في وصف المؤمنين ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وأولئك هم المهتدون ).

فساد الاعتقاد يفضي إلى خواء الروح :

ومن جهة أخرى فإن قلق العقيدة، ودخول الشك إليها، يفضي إلى زعزعة النفس والروح معاً ويحدث الشتات والانفصام البغيض ويغدو المرء صاحب بالين يعتقد خلاف ما يظهرويظهر خلاف ما يبطن وهذا هو النفاق الذميم الذي جاء فيه الوعيد الشديد من الله .

ويؤدي الانفصام الناتج عن زعزعة العقيدة وضعف اليقين بالله إلى كثير من الأمراض النفسية والعصبية، ويقع صاحبه فريسة سهلة للمرض العضوي بعد ذلك .

حتى أن كثيراً من المجتمعات العلمانية التي لا تدين باعتقاد صحيح، وضعف فيها الوازع الديني عموماً تعاني كأشد ما يكون من الخواء الروحي بين شبابها وشيوخها حتى إنهم لا يجدون ملاذاً وراحة من خوائهم الروحي إلا في الانتحار1 حيث كشفت دراسة أمريكية أن انتحار الشباب في الولايات المتحدة الأمريكية بين سن 15 – 24 قد ارتفعت بمعدل 300% منذ عام 1960م حيث هناك شاب يحاول الانتحار كل 37 دقيقة2 .

ثانياً : المعاصي :

من أسباب الخواء الروحي ارتكاب المعاصي، حيث أن العقيدة الصحيحة تبرمج النفس وتهيئها للطاعة وتجنب المعصية، فإذا ضعف الوازع الديني عند المرء، وأقدمت نفسه على تشهي المعاصي واقتراف الملذات من أي باب كان دون رادع من عقيدة صحيحة أو فكر ديني سديد فإن ذلك يفضي إلى :

أولاً : ألم نفسي :

وهذا الألم يصيب من كان ذا عقيدة صحيحة غير أن وازعه الديني ضعيف أو عرض عليه عارض فصرفه عن ممارسة كامل الطاعة إلى دروب المعصية .

وهو ألم يحدث له من ضميره الخلقي، وقد يعبر عن هؤلاء الفئة من الناس بفئة ذوي النفس اللوامة، وهي تلك التي تلوم صاحبها على فعل المعصية وهي المذكورة في قوله تعالى ( لا أقسم بيوم القيامة . ولا أقسم بالنفس اللوامة ) .

وإذا أهمل المرء داعي ضميره، ولوم نفسه له فإنه يقع في دائرة الخواء الروحي، والفراغ النفسي ويشعر بموت ضميره الخلقي .

ثانياً : موت الضمير والحس الخلقي :

وهؤلاء هم من أدمنوا المعاصي، وواظبوا على ممارستها فإنهم يدخلون تحت قوله تعالى ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) نسأل الله الستر والعافية .

وهذا الران هو الحائل بينهم وبين تشبعهم الروحي واستئناسهم بالله سبحانه وتعالى .

المعاصي مراحل تتبع بعضها بعضاً :

وهذه حقيقة اجتماعية أثبتها العلماء حيث أن الإنسان إذا ارتكب ذنباً ولد ذلك ذنباً آخر وصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول ( … وإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ) .

ويماثل ذلك الكذب حيث يقول صلى الله عليه وسلم ( وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ) وهكذا هي مراحل المعصية من ظلام لظلام حتى يصبح القلب أسوداً (كالكوز مجخياً) من كثرة الران عليه .

وصدق القائل :

رأيت الذنوب تميت القلوب

وخير لنفسك عصيانها

   وترك الذنوب حياة القلوب

وقد يورث الذل إدمانها

ثالثاً : الفساد الاجتماعي :

إذا كان السببان الأوليان هم من الأسباب الدينية والروحية في الخواء الروحي فإن هناك سبباً لا يقل عنهما خطورة ألا وهو سبب اجتماعي يكمن بالدرجة الأولى في ( الفساد الاجتماعي ) بمظاهره المختلفة :

     1.       الفساد الخلقي .

     2.       البطالة .

     3.       فساد المؤسسات الاجتماعية والتربوية .

     4.       فساد النظام السياسي .

أما عن أهم مؤثرات هذه المظاهر في الخواء الروحي فيمكن استعراضها بإيجاز شديد كالتالي :

     1.       الفسـاد الخلقـي :

الإنسان كائن خلقي، وله شعور وضمير وعاطفة ولا بد من ضبط مشاعره، وأن يتبع حالة من التوازن في إشباع لذته وإشباع روحه وإشباع عقله وفكره معاً والخلق القويم هو الذي يحث صاحبه لأن يعتدل في اكتساب لذاته وإشباع رغباته الحسية والمعنوية معاً ولا يكون ذلك إلا بسلوك ديني صحيح يهدف النظام الديني إلى ضمان السعادة لمعتنقيه والعاملين بأوامره وتهذيب سلوكهم1، وعند غياب النظام فإن الاعتدال يتحول إلى إفراط، وحيوانية محضة تفضي بصاحبها إلى الفساد وتوليد الشرور التي تؤدي إلى ما بين جسيمة ونفسية وإحباط ثم إلى أمراض عضوية وكل هذا يؤدي بدوره إلى الخواء الروحي2.

     2.       البطـالـة :

تؤدي البطالة إلى الخواء الروحي وذلك بأنها تولد عند فئة الشباب خاصة الفراغ وهو من أعضل المشاكل التي تواجه المجتمعات النامية والمتقدمة معاً، وعدم استغلال الفراغ يؤدي إلى مشاكل اجتماعية عدة . ويقيناً فإنه يؤدي إلى الانحراف والشذوذ ويتولد عن ذلك الضيق والضجر ومن ثم الخواء الروحي .

وصدق القائل :

إن الشباب والفراغ والجدة                     مفسدة للمرأ أي مفسدة3

     3.       فسـاد المؤسسـات الاجتماعيـة :

يؤدي فساد المؤسسات الاجتماعية من إعلام مسموع ومقروء ومنظور، إضافة إلى المؤسسات التربوية في المجتمع إلى انحلال عام بين طبقات المجتمع مما يفضي به إلى الاضطراب والقلق ومن ثم :

          انتشار الفواحش والرذائل .

           انتشار المخدرات .

           انتشار الجرائم بكل أنواعها .

ويؤدي هذا جميعاً إلى الانهيار الاجتماعي والنفسي متمثلاً في الخواء الروحي وما يتبعه من اضطراب عام في السلوك وفقدان للهوية والغاية وانفصام واغتراب وأمراض نفسية وعضوية كثيرة …. !!

     4.       فساد النظام السياسي :

يؤدي فساد النظام السياسي إلى اضطراب عام في جميع المجالات، هو بالتالي ينعكس على المجتمع فيؤدي إلى حالة إحباط عامة بين مختلف الفئات العمرية، فيعزف البعض عن السياسة إلى الملذات والبعض الآخر يثور ويتطرف إذ يجد في ذلك تعبيراً عن كيانه ورأيه. وفي كل الحالات فإن الخواء الروحي هو القدر المشترك بين أفراد المجتمع الذي اضطرب سياسياً وانتفض نظامه المؤسس وغدا ألعوبة بيد أولياء الأمر من الصفوة والنخبة الفاسدة .

[1] انظر القاموس المحيط للفيروز أبادي ص1652،1653 ط1 مؤسسة الرسالة : بيروت 1986م .

[2] انظر الكليات لأبي البقاء العكبري 2/318  تحقيق د.عدنان درويش ومحمد المصري ط وزارة الثقافة : دمشق 1975م .

[3] انظر القاموس المحيط 282 والكليات للعكبري 2/394

1 انظر مشكلات الشباب د.أحمد جمال ظاهر ص71،72 ط مكتبة المنار : الكويت 1985م.

2 انظر جريدة الأهرام المصرية 5/6/1988م .

1 مشكلات الشباب ص53 .

2 السابق ص97 .

3 نفس السابق .

X