سيد قطب … رمز الشيوخ .. في زمن الانكسار

سيد قطب رمز للصمود.. في عصر ذهاب الرموز وعزّ اليهود…!!

سيد قطب شاهد على أحوال عصره وعصرنا

 

بقلم : د.جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

بدى لي أن أكتب عن رمز من رموز الصمود في زمن عزّ فيه الصمود، وضحلت فيه معالم التضحية… وأصبحت الأقلام تؤجر.. والعقول تنهى وتؤمر.. ومقالة الحق تنقلب سحراً على قائلها.. ومقالات الباطل تزدان في الإعلام مرئياً ومسموعاً ومقروءاً.. واختلط الحابل بالنابل وماعدنا نفرق بين كاتب سلطان وكاتب الإيمان…!!

سيد قطب شهيد على عصر قمع الشعوب … وعصر قمع الأمة..!!

وأصبح من العسر بمكان الإشارة إلى كتّاب عاهدوا ربهم وأسلموا أقلامهم لدينهم… دفاعاً عن أمتهم حتى لو زجوا في السجون… ولاقوا العنت والشجون…! مرارات.. وحسرات تتدافعني حين الكتابة وتفرض عليّ أن اختار رمزاً صامداً.. عاش في سبيل نصرة دينه ورفعة أمته… وما استخدى.. ولا استجدى ..ولا تصاغر ولكنه علا بدينه.. واعتز بقلمه وعاش بمبدأه كالجبال الرواسي صامداً جاهداً لا يحيد ولا يميد.. ولا يبيع شعره بحفنة شعير…

ولا يتجر بنثره لنثارة خبز… ورقات طعام…!! إنه الشهيد بإذن الله.. والباسل في سبيل الله… إنه صاحب الكتب التي تغتذي عليها الحركات الإسلامية قاطبة إلى الآن… لأنها اختلطب بدم صاحبها.. ولم تدنس إنه سيد قطب.. وما أدراك ما سيد قطب، ثم ما أدراك ما سيد قطب؟!

تعالى معي في تلك المحاورة التي تخيلت نفسي واقفاً بين يديه متلمساً من علمه ومستزيداً من فكره عساني أنتفع من نفثاته ونثاراته وأبكار أفكار قريحته.. سالكاً في ذلك سبيل السؤال والجواب قلت.. وقال …

ولا يخفى على الفن ما لذلك من جرد لأفكاره وقصد لإظهار مثالب عصرنا وقياسها بمثالب عصره ومحاولة التعرف عن أسباب السقوط… ومدارج تاريخ الدعوة… عسانا نجتنب موارد الزلل ودركات الانقطاع عن القائلين العاملين أمثال سيد قطب..

سيد قطب المنشأ .. والتكوين :

قلت : ولد سيد قطب في أسرة ظاهرة الامتياز بقيمها… وكانت مركز إكبار وإجلال حيث مثل والده عائلته كلها فكان عميد الأسرة الكبيرة… كما أن سيد قطب استشرب هذه العمادة في الفكر عن والده كما استقى عنه تدينه وقيامه بأداء فرائض الإسلام على وجه التمام ولآل قطب سيدة راسخة في التدين والأصالة والصبر ابتدئت بسيد قطب ثم بإخوانه وأخواته… فقد عذبت أخته نفيسه الكبرى وقتل لها ولد في السجن لأنه لم يشهد ضد خاله سيد وسجن الآخر. وأمينة أخته نالها نصيبها من العذاب وقتل زوجها السنانيري في السجن سنة 1981، وأخوه محمد – حفظه الله- ناله من نصيبه من العذاب الأليم في سجون عبدالناصر حتى أفرج عنه في مطلع السبعينات وهو مدرس الآن في جامعة الملك عبدالعزيز منذ سنة 1972م إلى الآن ولمحمد مع أخيه سيد وشائج ووثائق وصلات فوق النسب في الفكر والحب والخلة والصداقة..

قلت لسيد : حدثني عن طفولتك

قال : طفولتي استمالت إلى رجولة مبكرة فلم أمضي في دروبها ولم أنعم كأطفال المسلمين في ردهات المدارس الغربية في الغرب أو في بلادنا الإسلامية إذ يغتذون على مبادئ الغرب ويشربون قيمهم في صغرهم… ويتعلمون كيف يعرون باربي وكيف يهيمون فيها ولم أعرف لعبة البيكيمون التي تسرب إليها اليهود بألاعيبهم وأفانينهم ليخترقوا أطفالنا ويئدوا فطرة الإسلام والعروبة في نفوسهم..!!

وإنما نشأت على الجد الصارم.. وجعلتني أهم وأنا في  العاشرة من عمري أني بلغت مبالغ الرجال فرحت أتقمص الجد وادعى الجلد .. واستتبع العصامية في كل شئ وكأني أنشد قول القائل :

لوعدوا العمر لما وجدوا                 قد جاوز سناً للاّعب

ما أحوجنا إلى أصحاب أقلام عصاميين.. يوقدون مشاعل الفكر النظري .. بواقع عملي حقيقي!!

قلت : إن في وجهك سمرة بادية…!

قال : نعم سفعتني شمس المحن لا شمس السماء، وعلاني غبار التعذيب وأرهقتني كرابيج الزبانية في الزنانين… وأنهكتني الأمراض لأمتي.. لا أعراض علتي..!!

ثم إنه أشار إلى أخيه محمد ليرو عنه هذا السؤال .

قال محمد قطب : وجدته يشكو كثيراً من الأمراض، ولا طاقة للبدن أبداً – مهماً كان قوياً- أن يحتمل النفس الكبيرة :

إذا كانت النفوس كباراً                 تعبت في مرادها الأجسام

ولقد وجدته وقد نالت منه الأيام، فبدت أثارها على وجهه .. وفي جبهته أخاديد عميقة، وفي عينيه حمرة، وفي شعره الأسود القاتم شيباً .

قلت : أيها الشهيد أراك نحيل البدن حقيقاً بما قاله فيك الشيخ علي الطنطاوي “لطيفاً هادئاً، تبدو عليه سيما المسالمة والموادعة والإيناس” فما بالك جاد القول.. صريح المهاجمة.. صعب المنازلة للباطل كأنما تحيي في كتاباتك عهود ابن حزم مع مجادليه أتراك واقفاً معه في خندق واحد…؟!

قال : دع عنك نحول جسمي.. وموادعة شكلي.. فما الناس بأشكالهم وما الحق يوزن بأجسادهم، أما سمعت القائل وهو عباس بن مرداس :

ترى الرجل النحيل فتزدريه              وفي أثوابه أسد هصور

ولتعلم … وتُعلم إخوانك.. أن العبرة بالروح التي يحملها الكاتب بين جنبيه…

مناهج التعليم الإسلامية بين التغيير… والتدمير؟!

هل استخدت الأقلام عن نصرة أمة الإسلام.. أم قصفها الحكام .. أم براها أربابها وولوها على غير وجهتها أم .. أم … ؟!!!

قلت : سمعنا أنك بوزارة التعليم في مصر فما رأيك في مناهجها ومناهج شقيقاتها الأخريات من الدول العربية والإسلامية؟

قال : عملت في مدارس التربية والتعليم في مصر مدة تسعة عشر عاماً من سنة 2/12/1933 حتى 18/10/1952…

فقابلت المتعصبين والروتينيين… الذين لا هم لهم إلا ترداد  نصوص المناهج بقليل من الفهم ونادر من الاعتبار والادكار ولاقيت نقصاً في منظومة المناهج المقررة.. وحشواً زائداً في دروس اللغة خاصة… كأنما المقصود أخذها على علاتها وليس تفهمها ولا اعتبارها…!!

قلت : وماذا عن مناهجنا الحديثة..؟

قال : أما مناهجكم فهو أشد سوءاً وأكثر وبالاً… إذ غابت عنها قيم الجهاد.. ومروءات الأمة.. ورفع فيها نابليون فوق محمد بن عبدالله.. فتراهم في مصر الكنانة يعتبرون التاريخ السقيم الذي انحرف كثيراً عن مساره وأصباته أيادي العابثين فيرفعون نابليون بدخوله المجموع.. أما التربية الإسلامية فهي لا تدخل مجموعاً… ولا تعد في حقيقتها حصة وقد احتذى حذوها كثير من الدول العربية والإسلامية.. أما ضعف مجموع اللغة العربية والانتقاص منه في دول العرب والمسلمين.. وسوء توزيع حصصها فحدث ولا حرج…!! لقد هزم شكسبير المتنبي في بلادنا … لقد عرفونا بكتيس… وشيلي.. وإليوت وجوته.. وطاغور وأنسونا حسابن بن ثابت… وكعب بن زهير… وكعب بن مالك وغيرهم وغيرهم..!! لقد اهتموا بالإنجليزية وأهملوا العربية..

قلت : وماذا ترى من محاولات أمريكية لتغيير مناهج التاريخ واللغة العربية، والتربية الإسلامية في العالم الإسلامي؟

قال : لقد قدمت من أمريكا عام 1950م بعد بعثة لي هناك… وقمت بطلب تغيير المناهج واقترحت أموراً لإصلاح هيكل الوزارة، وإنشاء إدارة فنية صحيحة تقيم نظم التعليم ومناهجه سنة 1947 ولكن ليس على طريقة الأمريكان.. أهل الزيف والبهتان… ولكن بما يمليه عليّ ديني وبما أخدم به أمتي.. وليت شعري!!

أبت الوزارة عليّ الإصلاح وخضعت لمناهج دنلوب كما هي تخضع الآن لمناهج الأمريكان.. فاستقلت منها وصدفت عنها.. وأبيت أن أكون غلاماً لأمريكا.. أو خدوماً لبريطانيا ولقيت في ذلك المشاق من ذوي الروتين.. وبائعة الدين.. وهددت.. ورعّدت.. ولكن أبيت إلا الأسنة لي مركباً..!!!

قلت : التبس على الكثيرين سفرك إلى أمريكا ما بين قائل إنه ذهب ليكرم بسبب محاربته الشديدة العنيفة للاشتراكية والشيوعية.

حتى زعم كثير منهم أنك عميل لها.. ونبتاً من دوحة فكرها؟!

قال : بخ بخ …!!!

لقد اضحكتني بعد استعبار…!!

من لي برفقة وعمالة الأمريكان؟! وكيف ومتى وأين؟!!

إنما سفري لها لإخراجي من بلدي حيث كنت أعمل مفتشاً فنياً بوزارة المعارف وأراد القوم مني تحضراً وإن شئت فقل تحدراً بالإطلاع على مناهج ونظم التعليم في أمريكا وواقفت منيتهم منيتي… وإرادتهم إرادتي مع فارق جوهري… أنهم أرادوني مستغرباً… منسلخاً عن ديني وعروبتي..

غزى سيد قطب الغرب بقلمه وفكره وسلوكه وما غزاه الغرب بآلته الفائقة من الشهوات والشبهات.

وأردت أنا أمريكا لاستبصر حقيقة واقعها الاجتماعي وتطورها المادي… ومناهجها التي نبني بها أوطاننا ونحيي بها أمتنا مما يوافق أصولنا وإسلامنا…

أرادوا .. وأردت.. ومكروا.. ونجوت والحمد لله رب العالمين.

بين رحلة سيد قطب… ورحلات أقطاب اليهود وأسياد اللذة إلى أمريكا وأوربا :

قلت : حدثني عن رحلتك إلى أمريكا ماذا أفدت منها وما عجيب ما نقلت عنها…إذ طالت سفرتك أياماً بالباخرة… في عباب البحار ماخرة.. فجدير أنها بالعجائب زاخرة…؟!

قال : أما عن فوائد سفري فهي عديدة… وقصصها لديّ مديدة وسأحدثك عن أطراف منها وخاصة في طريقي إليها.

قلت : حدثني إذن.. فكلي لك أذن…!!

قال : لم تكن سفري بطائرات الجامبوا ولا (إيرباص) والمزودة بأفخم المتاع… ولا بفيديو صغير على كرسي كل راكب يقلبه على المتاع أو لقطات الجنس التي ابتدعتها خطوط الطيران في دولنا العربية والإسلامية… أو لقطات الإثارة مما تذيب الأفئدة .. وتشعل نيران الشهوات الخامدة… ولم تكن سفرتي على الدرجات السياحية الفارهة.. التي تقدم فيها الخمور الطازجة أو المشعشعة على مذهب عمرو بن كلثوم التغلبي

مشعشعة كأن الحصىّ فيها             إذا ما الماء خالطها ثخينا

ولم تكن سفرتي محطة للامتلاء من المضيفات الحسناوات المغريات اللاتي يشعلن القلوب.. ويقلبن المشاعر.. واللائي أصبحن سلعة مروجة للشركات.. يتزين بأفتن الزينة ويظهرون من الأرجل النواعم الشئ الكثير ليستمتع كل ناظر… وينظر إليهن كل باصر.. حتى يتلوث الجو بنا… ويغضب علينا ربنا…

ولقد جاءني من الأنباء ما فيه الحسرة والندامة أن شركة مصرية كويتية قد طردت مضيفة من الحسناوات ؟!

سيد قطب يدعو إلى الله في سفينة أمريكا ونحن لا زلنا نتغزل بالمضيفات .. ونحتسي المنكرات .. ونطالع لقطات الإغراءات في الجو بين السماء والأرض؟!

ولم يكن سبب طردها الفحش فهذه حرية.. ولا العرىّ فتلك حضارة.. ولا معاقرة الخمر.. فتلك حقوق التمتع وإنما جريمتها كلها أنها ارتدت حجابها.. وعادت إلى ربها.. إذ قالوا لها مقال قوم لوط ولآله من المطهرين (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) وانظروا موقع ( www.islamonline.net ( وأسألوه تفاصيل الخبر…!!!

قلت : ففيم كان شغلك الشاغل.. وماذا عن فوائد رحلتك البحرية التي لم تخامر فيها أجواءنا الطائرة… أو اللاطاهرة في شركات الطيران العربية والإسلامية….؟!!

قال: أفدت فوائد جمة من سفري إلى أمريكا في تاريخ 3/11/1948 .. حيث أقلعت باخرتي .. فانتشط ذهني واقتدحت قريحتي ورحت أتأمل في:

1- نعمة الله على الناس في تسخير البحر “ما أحسست ما في هذه اللفتة من عمق قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط تحملنا وتجري بنا، والموج المتلاطم والزرقة المطلقة من حولنا، والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك، ولا شيء إلا قدرة الله، وإلا رعاية الله، وإلا قانون الكون الذي جعله الله، يحمل تلك النقطة الصغيرة على ثبج الأمواج وخضمها الرهيب.

2-قلت لنفسي وأنا مسافر ” أأذهب إلى أمريكا وأسير فيها سير المبتعثين العاديين، الذين يكتفون بالأكل والنوم، أم لا بد من التميز بسمات معينة، وهل غير الإسلام والتمسك بآدابه والالتزام بمناهجه في الحياة وسط المعمعان المترف المزود بكل وسائل الشهوة واللذة الحرام؟.

3-بعدما قررت اختيار الالتزام بالإسلام، والدعوة إليه في أمريكا ندت لفتنتني إحدى الأمريكيات على ظهر الباخرة فأعانني الله في الاستيلاء عليها وحماني من فتنتها فتجلدت قبل خوض عباب المفاتن في أمريكا وقبل ولوج شاطئها المغرق بالملذات شهوات وشبهات.

4-تحول هذا الاستيلاء على الشهوات والمغريات إلى دعوة لله على ظهر السفينة… فأبصرت مبشراً على ظهر السفينة يحاول فتن الناس عن دينهم …. فمضيت متوفراً بمشاعر الإيمان إلى القبطان وطلبت منه السماح لكل ركاب الباخرة المسلمين بصلاة الجمعة.. وتمت الصلاة وكنت خطيب الصلاة .. حتى أعجبت سيدة نصرانية يوغسلافية بمشهد الصلاة العجيب وخاصة لقراءة سيد قطب القرآن….!!  

سيد قطب يستعلي عن فتن الملذات .. ويعتصم عن فتن الشبهات في الغرب

قلت: وما أقسى ما رأيت في أمريكا من الفتن والمحن .. وكيف تغلبت عليها .. عظنا فإن شبابنا هلكى وغرقى في الملذات الأمريكية وحكامنا طوعى للأمريكان … إلا القليل القليل من الكثير الوفير … ولست مبالغاً إن قلت إن أمة الإسلام رهينة بأمر أمريكا … بعدما عجزت عن دحر مدللتها إسرائيل بالمقال .. ناهيك عن الفعال!!

قال: وجدت في أمريكا مفاتن لا تخرج عن كونها شهوات أو شبهات، أما عن فتن الشهوات والملذات فعرضت لي في:

أ-متابعة فتيات حسناوات مزهرات متحللات لي رصداً وعمداً… من جامعة لأخرى.

ب-متناقشاتهن المكشوفة الصريحة عن الجنس وأنه عملية بيولوجية جسمانية وليس لها شأن بالدين والأخلاق وهذا أشد فتناً لأن فيه إفتان بالشهوات وإقناع بالشبهات.

ج-حديث بعض الشباب العربي عن ملذات أمريكا الجنسية ومغامراته مع الأمريكيات .. ومحاولته إقناع سيد قطب بخوض ذلك الوحل باسم الغربة وظروفها وطبيعتها .. وباسم داعي الشهوة وتحت وطأة الغفلة.

قلت: هذا عن فتن الشهوات فماذا عن فتن الشبهات؟!

قال: أما عن فتن الشبهات فكانت أوقى وأشد .. وأكل للقلب وأقطع لليد … إذ رام الأمريكان فتني بالجنس فما استطاعوا لذلك سبيلاً فراحوا يرسلون إلى رجال المخابرات الأمريكية فما أوقعوا عندي شبهة .. وما نالوا مني حظاً!!

حتى إن رجل المخابرات الإنجليزي “جون هيوورث دن” كان قد أقام بمصر مدة وادعى الإسلام وتسمى باسم جمال الدين وأقام في مصر وتزوج مسلمة وألف كتابه الخطير “التيارات السياسية والدينية في مصر الحديثة” وراح يلتف عليّ لأعلن ولائي لبريطانيا الاستعمارية الغاصبة لمصر في هذا الوقت وذلك بالآتي:

1-أخبرني عن عشرات الأسماء الأمريكية البارزة المبشرة والتي انتظمت في السلك الديبلوماسي لكي يحققوا مآربهم في مصر.

2-عرض عليّ ترجمة كتابي “العدالة الاجتماعية في الإسلام” الذي صدر سنة 1949 مقابل عشرة آلاف دولار.. فرفضت العرض وقدمته إلى المجلس الأمريكي للدراسات الاجتماعية مجاناً..

3-حدثني دن عن مستقبل مصر السياسي وعن جماعة الإخوان وشكك فيها وأنها تريد بمصر السوء وأن الأمل معقود على المثقفين ليلحقوا مصر بالحضارة الغربية .

4-ونصحني كثيراً أن أكف عن معاداة بريطانيا ومهاجمتها لأنها إذا خرجت فستحل محلها أمريكا .. وهي أشد عداءً منها.

قلت: وما أعجب ما بأمريكا .. من موقفهم من الإسلام والمسلمين؟

قال: أعجب شيء هو أنني أقمت في ولاية كاليفورنيا مدة طويلة وأقمت في عاصمتها “سان فرنسيسكو” غير أن جوها لم يرق لي فمرضت فدخلت مشفاها، وهناك وجدت علامات البشر والسرور بادية على وجوه العاملين بالمستشفى، ولما سألت ما الخطب؟ وما الأمر؟ قالوا: لقد مات الشيخ البنا رحمه الله .

فاعجب .. إن شئت تعجباً .. واعتبر بما كان وما هو كائن ..

قلت: حدثني عن رحلتك مع الإخوان .. فيم .. ومتى .. كيف .. ماذا؟!

قال: لقد أعجبت بالإخوان إعجاباً امتلك عليّ عقلي ووجداني وكل مشاعري حيث أعجبت بالمؤسس الأول حسن البنا رحمه الله وقد عبرت عن ذلك بانضمامي إليهم في مطلع سنة 1953 حيث بنى البنا الإخوان على أسس سليمة فجاء بناؤه روحياً نفسياً في كل نفس فرد وبناءً فكرياً متوازناً في تصور الأفراد والجماعة وبناءً تنظيمياً متيناً رفيعاً لدى الأفراد، ولدى الوحدة التنظيمية للجماعة.

ولي مقال عن “حسن البنا وعبقرية البناء” قلت فيه:” لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيراً من الدعاة .. ولكن الدعاية غير البناء.. وما كل داعية يملك أن يكون بناءً- مشيراً إلى حسن البنا حيث إن اسمه “البنا” أي البناء- وما كل بناء يوهب هذه العبقرية الضخمة في البناء!!

هذا البناء الضخم .. الإخوان المسلمون .. إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات… إن عبقرية البناء تبدو في كل خطوة من خطوات التنظيم .. من الأسرة إلى الشعبة ، إلى المنطقة إلى المركز الإداري، إلى الهيئة التأسيسية إلى مكتب الإرشاد…”

ثم قلت: حيا الله الإخوان المسلمين .. لقد تلفتت مصر حين جد الجد، وتحرج الأمر، ولم يعد الجهاد هتافاً وتصفيقاً، بل عملاً وتضحية ولم يعد الكفاح دعاية وتهريجاً،ن بل فداءً واستشهاداً.

قلت: حدثنا عن صفقات النظام معك قبل استشهادك .. وفيم ساموك .. ولم أعدموك؟

سيد قطب يعدم زوراً وبهتاناً وعبدالناصر يرعد ويزبد ويساومه على مدحه وأن يشهد له بملك مصر والأنهار تجري من تحته..!!

قال: انضممت إلى الإخوان مطلع عام 1953 ثم مضت بي سنون حتى أصابني لفح لهيب السلطة، فاعتقلت في 9/8/1965 ثم حقق معي صلاح نصر .. وأوسعني زبانية عبدالناصر سوء العذاب .. ثم حاكمني الدجوي .. وما رقت السلطة لمرضي .. ولا استمعوا لمقالي، ولا اعتبروا بإدانة منظمة العفو الدولية لمحاكمتي .. وما .. وما

وقبل قتلي بأيام أرسلوا إلي يساومونني بأن:

أ-أترك التنظيم الإخواني الجديد.

ب-أكتب ولو سطراً واحداً أو جملة للرئيس عبدالناصر أسترحمه واستعطفه.

ج-أن أتخلى عن دعوتي .. واعتذر عن عملي مع الله ومقابل ذلك فهناك المال والجلال والرفعة والدنيا قائمة لي وقاعدة… ولما استعليت بالحق عليهم وقطعت رجائي عنهم .. تلمظوا … وحكموا علي بما تعلمون”

ظلال سيد قطب بين واقعنا المرير واقعه الكسير :    

قلت: هلا حدثتني عن ظلالك… في حلك وترحالك … وعن أفانينه ومناسبته .. وكيف خططت روائعه .. ومتى وأين وكيف؟

قال: طلب إلي الأستاذ سعيد رمضان أن أشارك بمقال دائم في مجلته “المسلمون” فاخترت أن أكتب تفسيراً للقرآن وكان ذلك سنة 1951 وبهذا استمرت حلقات التفسير وانتهيت حتى الآية (103) من سورة البقرة ثم عملت على إظهار أجزاء منه بعيداً عن المجلة وكان ذلك سنة 1952 حيث صدر منه ستة عشر جزءاً ثم أكملت باقيه في السجون حيث حكموا عليّ بخمسة عشر عاماً.

قلت: لعد عددناك عالماً مجدداً في التفسير لما أضفت إليه من أفكار حركية .. وتربوية على التفاسير السابقة بما يمكن أن نسميه “رائد مدرسة التفسير الحركي” إذ تناول فيه قضايا “العقيدة والدعوة والحركة والجهاد والتشريع والجاهلية”.

الفكر الإسلامي الحديث ومستقبله القيادي عند سيد قطب

يبدأ سيد قطب من إفلاس الديمقراطية الغربية ، ومن التنبؤ بإفلاس الاشتراكية الماركسية – وهو ما وقع بعد ذلك بثلاثة عقود من الزمان- .

-قلت: وما رأيك من قيادة الرجل الغربي للعالم بما فيه عالمنا الإسلامي؟

-قال: إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال، لأنه لم يعد يملك رصيداً، من القيم يسمح له بالقيادة، والإسلام وحده هو الذي يملك مقومات هذه القيادة.

-قلت:وكيف إذن للبديل أن يقود البشرية؟

سيد قطب يقول:” انتهت قيادة الرجل الأبيض للعالم .. لأنه لا يملك رصيداً من القيم يسمح له بذلك.

-قال: البديل عندي هو الإسلام وأن الإسلام لا يملك أن يؤدي دوره إلا في مجتمع، أي أمة –ويقرر سيد قطب- عند هذه النقطة أن “وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة .. فالأمة المسلمة ليست “أرضاً” كان يعيش فيها الإسلام، وليست “قوماً” كان أجدادهم في عصر من العصور يعيشون بالنظام الإسلامي .. إنما “الأمة المسلمة” جماعة من البشر تنبثق حياتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وأنظمتهم وقيمهم وموازينهم كلها من المنهج الإسلامي.. وهذه الأمة –بهذه المواصفات- قد انقطع وجودها منذ انقطاع الحكم بشريعة الله من فوق ظهر الأرض جميعاً… ولذلك فإنه لا بد –حسبما يقول سيد قطب- من بعث الأمة المسلمة التي واراها ركام التصورات وركام الأوضاع وركام الأنظمة التي لا صلة لها بالإسلام .

قلت : وما هو ذلك المجتمع المبتغى والمرتجى عندك؟

-قال: الإسلام –من وجهة نظري – لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات، مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي، المجتمع الإسلامي: هو الذي يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة، شريعة ونظاماً، وخلقاً وسلوكاً .. والمجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه تصوراته وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وخلقه وسلوكه، ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناساً ممن يسمون أنفسهم “مسلمين”، بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع، وإن صلى وحج البيت الحرام..

-قلت: وماذا عن المجتمع الحر عندك؟

-قال: والتحرر الحقيقي هو أن تكون الحاكمية العليا في المجتمع لله وحده –متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية- فتكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً كاملاً وحقيقياً من العبودية للبشر .. والمجتمع الإسلامي هو وحده المجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد، ويخرج فيه الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.

-قال معقب: وهاتان الفكرتان:”الجاهلية” التي أصابت المجتمعات الإسلامية –بل البشرية كافة- والتحرر منها والانعتاق من أسرها بتطبيق “الحاكمية”، هما الفكرتان الرئيستان في منهج سيد قطب الفكري، وهما الإضافة التي زود بها سيد قطب نهر الفكر السياسي الإسلامي.

وحول هاتين الفكرتين تدور كل الأفكار الأخرى التي تصادفنا في كتب سيد قطب، وفي مقالاته، بل في تفسيره للقرآن الكريم “في ظلال القرآن”، كلما تعلق الأمر بالفكر السياسي أو بالحياة الاجتماعية.

-قلت: وبم أنك فنان فماذا عن الفن الإسلامي من وجهة نظرك؟

سيد قطب يوظف الفن الأدبي لخدمة الإسلام .. فأين أدباؤنا وأين فنانونا من فلسطين وعدوان يهود…؟!!

-قال: الفنان المسلم رجل يعيش على الأرض بروح تحلق في السماء، فهو يتفاعل مع الواقع الاجتماعي بعقيدة ربانية ومنهج إلهي، ليسمو به إلى غاياته التي يتطلع بها إلى عالم الخلود الذي سوف يستقر به في نهاية المطاف، والذي يعنيه ما سبق أن الفن الإسلامي مذهب مستقل يتباين تماماً عن تلك المذاهب الفنية التي نشأـ عن تطور المفاهيم العلمانية في الغرب.

ولكن ذلك لا يعني في نفس الوقت أن الفن الإسلامي مدرسة فنية غير قابلة للتجدد، لأن التصور الإسلامي للوجود والذي نعبر عنه هنا بالمثالية العقائدية والقيمية للتصور الإسلامي، والجانب المتغير هو الفاعلية الإنسانية التي يتعامل بها هذا التصور مع الواقع المتغير قابل للتشكل الفني بحسب التوجهات البشرية المختلفة ومن المزج بين هذا وذاك يتسع المجال لأن تتوالد العديد من المدارس الفنية المتجددة ولكنه سيلاحظ دائماً أنها تختلف عن تلك المدارس الفنية الأخرى التي تتفاعل على أرضية أيديولوجية فنية مختلفة.

وإلى اللقاء في المقال القادم عن موقف سيد قطب من الصراع الإسلامي اليهودي وقضية القدس من خلال ظلال القرآن .

X