وقفات جادة… في مسيرة الدعوة(5-6)

الحركة الإسلامية ضوابط في الفكر والممارسة (الجزء الأول)

هناك أهمية كبيرة للحديث عن منهج الحركة الإسلامية سواء من حيث جملة علاقاتها مع محيطها المحلي أو الدولي أو من حيث خطابها وآلياتها، وهو حديث جدير أن تنصب عليه جهود العلماء والمفكرين المسلمين، كما أنها ممكن أن تكون مادة خصبة للباحثين وطلبة الدراسات العليا بدل الاشتغال بجزئيات الفقه والتراث وترك هذه المهمة للتجربة والخطأ والارتجال والرأي العجول للواقع الميداني المحكوم بضوابط الزمان والمكان والظرف، وخصوصاً أن الاجتهاد في هذا الحقل هو في النهاية تصرف في مصائر البلاد والعباد، والأرواح والأموال والأعراض والدماء، وفي الدين والدنيا على حد سواء.

قواعد المنهج الإسلامي

كل ما يحقق للمسلمين العدل والتحرر والعزة واستعادة المجد أمر مطلوب.

لعل أهم من أجلى منهاج الحركة الإسلامية وتوسع في القول فيه وفصل في بيان مشرق أخاذ، فاعلاً في الأذهان فعل السحر… هو الشهيد سيد قطب رحمه الله… لقد كان منهاج الحركة الإسلامية خطاباً وعلائق ووسائل عمل وطرائق في التقدير هو شاغله الشاغل في كل ما كتب… وإن عدم التعرض بالتقويم لميراث الرجل والاكتفاء بالنقد الجزئي أو التعريض لا يتفق مع الالتزام بمقتضيات الروح العلمية والنزاهة والشجاعة، ولا يمكن من جهة أخرى أن ينتج ثقافة إسلامية متحررة من الأصنام، ومن التقليد والأوهام، فلقد مثل سيد قطب بأدبه الإسلامي الرفيع الذي كتبه بدمه وبجحيم من المعاناة الشديدة سلطة مرجعية –ولا يزال- في التعامل مع النص الإسلامي ومع واقع المسلمين وتاريخهم ومحيطهم.

وهناك محاولات مستمرة منذ بضع عشرة سنة تحاول جاهدة أن تقصي المرحوم سيد قطب عن مكانته وأن توجه طعناً إلى فكره، وأن تحمله تبعة المكفرين الذين ظهروا من بعده وقد وجدت هذه الدعوة غير الراشدة أعواناً لها وأنصاراً حتى من بعض الذين لهم باع في التيار الإسلامي، وليس معنى ذلك أن فكر الرجل معصوم من أن تكون به أخطاء منهجية أو فكرية أو مثالية طوباوية، ولكنه يكفيه أنه ترك تراثاً ضخماً يؤخذ منه ويرد، وأنه ينبغي معاملة هذا التراث من خلال المفهوم المعروف”رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب” ولكن أناساً جعلوا كل همهم مهاجمة هذا الفكر ، وأحياناً مهاجمة الشخص نفسه .

ولو أنصف القوم وتحرروا من الموروث في التعامل مع الشيوخ ومع الموروث السياسي الاستبدادي لأجروا على تراثه وتراث غيره قواعد المنهج الإسلامي في نقد الرجال كقاعدة كل ابن آدم خطاء، وكل راد مردود عليه إلا المعصوم عليه الصلاة والسلام.

العالم كله أرض دعوة، ولو قمنا بواجب الدعوة على النحو الصحيح لحققنا الكثير.

وإن الحق أحق أن يتبع ، وإن مرجعية الحق في الشئون العامة بعد الوحي”كتاباً وسنة” إجماع الأمة وصورته التطبيقية في عهدنا يجليها الانتخاب الكاشف عن اتجاهات الرأي العام، وفي هذا الصدد لا قيمة لأي تراث يمكن أن يستمد من جهة أخرى غير السوق الحرة… سوق الأفكار والأخذ والرد والتجربة ، فما أثبتته التجربة نافعاً للمسلمين ناهضاً بالتقدم بهم نحو تحقيق العدل والتحرر والوحدة واستعادة العز السليب في إطار تعاليم الإسلام… فهو الأجدر بالاتباع وافق وخالف هذا المذهب أو ذاك.

غربلة تراث الحركة

ويجب أن نقر هنا أن فكر قادة الحركة الإسلامية مثّل قفزة مهمة في الانتقال بالإسلام، فإن فكر (البنا وقطب) ومعهما فكر المودودي أتاح للإسلام أن يتبلور لأول مرة في التاريخ كحركة معارضة منظمة، فبرزت فكرة (التنظيم وطرائقه وأدواته ونمط القيادة واتخاذ القرار وعوائقه الداخلية والخارجية وذلك لأول مرة) لكن هذا الفكر لا يمنع من استمرار الاجتهاد في غربلته وأخذ ما يناسب المستجدات التي طرأت على الحياة بعد رحيل أصحاب هذا الفكر، ولا يمنع من محاولة الإبداع الفكري الذي يستند على الصالح من التراث للتطبيق في العصر وإضافة ما يلزم من الأسس الفكرية للحركة الإسلامية، حتى تظل في كامل نشاطها وديناميكيتها ، فلا تقعد عن مسايرة العصر، بل لا تقعد عن مسابقته، ووضع البينات في طريقه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة، وليس ذنباً لهؤلاء الأعلام أن قعد من جاء بعدهم عن الاجتهاد، وانهمك في البحث عن أفكارهم ليلبس كل حدث من الأحداث الجارية قطعة من الثياب الفكرية لهؤلاء، وقد لا تكون مناسبة في مقاسها وفي طولها وقصرها.

إن كثيراً من أصحاب الفكر الإسلامي اليوم لا يضيفون جديداً لأفكار القادة السابقين ولا حتى للحركة ذاتها إلا في القليل النادر، إن اجتهاد منظري الحركة والقائمين بأمرها واستحداث أساليب جديدة مبتكرة – ولو خالفت رأي السابقين وناقضته- أمر لا مناص منه أمام أعداء تتفتح أنظارهم وتتفق أفكارهم عن جديد من الحركة والفكر في كل يوم لضرب الإسلاميين أو تهميشهم أو القضاء عليهم وإسكاتهم.

والناظر المتأمل في حياة هؤلاء الأعلام يجد أنهم كانوا يستلهمون الإسلام غير غافلين عن الواقع في كثير من الأحوال، فلنعمل كما عملوا ، ولنبن كما بنوا، ولنجتهد كما اجتهدوا وإلا فلا بكاء على الغافلين ولا عزاء للجاهلين.

المنهج المتجدد يحتاج عقولاً متجددة

الإسلام دين الفطرة، وهو دين الحرية التي هي أعظم الخيرات بعد الإيمان.

من المهم هنا التأكد بأن المكتبة الإسلامية وهي مادة التثقيف لأبناء الحركة الإسلامية خاصة وللمسلمين عامة لا تزال تنمو نحو التقليد للماضي وتقديسه واتخاذه حكماً مفصلاً على الواقع.. حتى إن كثيراً من المنافسات تنحسم بمجرد إيراد جملة أو جملتين لبعض الأعلام من الذين يتبعهم تيار إسلامي معين، ومثلهم أتباع المذاهب الفقهية التي تنتمي إلى مالك وأبي حنيفة وأحمد والشافعي وغيرهم، وجرى على طريقتهم أبناء الحركة الإسلامية الذين كثيراً ما ينحسم الخلاف بينهم بإيراد جملة أو جملتين لأحد أعلامهم، فينتهي النقاش ويزول الخلاف ، وقد يكون النقاش في قضية مستجدة لم تحدث إلا بعد رحيل هؤلاء الأعلام الذين لا نبخسهم حقهم إن قلنا ذلك، ولكنا نحفز الأتباع أن ينهضوا بالتبعة ، وأن يجدوا في الابتكار كما جد السابقون.

إنه لا سبيل للانتقال بالحركة الإسلامية من هذا الطور السكوني الاتباعي التقليدي الذي يتعامل مع المشكلات المستجدة بحلول جاهزة دون ثورة على المرجعية، على المكتبة الإسلامية، ونزع صفة القداسة عن محتوياتها بالتعامل معها على أنها تراث واجتهاد بشري يؤخذ منه ويرد… وإن الثابت فقط نصوص الوحي أما كل التأويلات الواردة على تلك النصوص فاجتهادات قد تعين على الفهم وقد تصرف عنه وإذا كان الانتقال من بغداد إلى القاهرة في زمن واحد كان موصوفاً بالاستقرار قد حمل مجتهداً كالشافعي إلى أن يغير معظم مذهبه فلا مناص لمنهاج حركي متجدد من عقل اجتهادي متجدد يستوعب تجارب الماضي والحاضر لدى المسلمين وغير المسلمين ويستوعب الواقع المتجدد المعقد ويوفق إلى إدارة الحوار الرشيد معه وعلى سبيل المثال: هل يصلح لنا مرشد في منهاجنا الحركي لإقامة النموذج الإسلامي المعاصر فقه نشأ والأمة تمثل السيادة على العالم وتقول للسحابة العابرة صبي حيث شئت فخراجك سيأتيني، وتجرد الجيش العرمرم لتأديب الروم وحاكمهم تلبية لاستغاثة امرأة مسلمة؟ هل يصلح لنا ذلك الفقه ونحن في حال من الضعف على أوجه من الشبه بحال الأقلية المسلمة في مكة… بل كان حالها أفضل من حالنا بكثير من حيث تمنعها بحماية العصبية القبلية وغياب الدولة القاهرة.. وغياب مثل التسلط الدولي المعاصر… وحضور القائد الذي تجتمع عليه كل الجماعة يومئذ.. وإمكانيات المناورة والاستفادة من التناقضات والعصبيات القبلية غير غائبة.. إن الفقه الإسلامي الذي تزخر به المكتبة الإسلامية لم يستمد مراجعه من حالة الاستضعاف في مكة أو في الأندلس أو في البوسنة المعاصرة أو في أشباهها من بلاد الإسلام الأخرى، وإنما استمدها من عصر الهيمنة والعملقة والسيادة الدولية.

العقل الإسلامي المعاصر لا يزال دون مستوى فهم معاصر للإسلام.

وعل سبيل المثال إن الاحتفاظ حتى اليوم بمفهوم دار الإسلام ودار الكفر وترديده واعتبار أنه من خلال الثنائية وهذا التقابل يمكن أن نتعامل مع العالم في غير محله وبالتالي فالمفهوم هو اليوم بلا مناط بلا أرضية وخير لنا أن ننظم علاقتنا بالعالم على أنه كله أرض دعوة… لا سيما بعد أن سقطت الأنظمة الدينية الغربية التي كانت في القرون الوسطى تمنع حريات الفكر والتعبير والعقيدة والتنظيم والانتقال.

وانفتحت معظم بلاد العالم لاستقبال وإيواء مراكز الدعوة والدعاة.. فازدهر الإسلام في زمن وجيز جداً في أقطار شتى لم يدخلها مسلم قط محارباً أو مسالماً أو تاجراً طوال العصور التي كانت لنا السيادة العالمية، وتواصل اندماج الحدود وسقوط السدود أمام الإسلام بسقوط أنظمة الدين العلماني – الشيوعية- فزحفت دعوة الإسلام بمساجدها وإغاثاتها ومؤتمراتها تجدد ما اندرس وتحتضن الجديد… فأي دار حرب يتحدثون عنها في هذا العصر اللهم إلا أن يكون المقصود بمقياس حرية الدعوة – عدداً من الأوطان الإسلامية التي حظرت فيها دعوة الإسلام وطورد الدعاة ولكنها أوضاع مؤقتة .. لن تدوم وكذا الشأن في العلاقة مع الكافرين.

ليس ذنباً للأعلام السابقين أن من جاء بعدهم قعد عن الاجتهاد.

إن الأدبيات السائدة التي تكاد تشملهم بحكم واحد هو العداوة والبغضاء إنما هي تبسيط معيق محبط للدعوة… لا يتمشى مع تعقد الواقع ومع الحقيقة القرآنية التي جاءت لتتعامل مع الواقع المتطور في أشد حالات تعقيده، والتي فصلت القول في شأن غير المؤمنين انطلاقاً من قاعدة واضحة”ليسوا سواء” فمنهم الأعداء وهم الداخلون معنا في حرب معلنة سافرة كالصهاينة… ومنهم الأصدقاء الذين لم يدخلوا معنا في حرب والذين يمكن معاشرتهم والتعاون معهم ومنهم المحايد الذي لم يكد يسمع شيئاً عن الإسلام ولا هو مشغول بأمره عداوة أو صداقة، بل هو منهمك في دنياه وشهواته، لا يكاد يبصر شيئاً خارج هذا الإطار “يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام”.

لا وصاية على الأمة

وقد يشوش الذهن الإسلامي المعاصر في شأن حرية العمل والتعدد الحزبي وتداول السلطة والاحتكام إلى الجماهير في اقتراع مباشر، وقد يكون سبب التشويش ناتجاً عن تنزيل الواقع التاريخي للدولة الإسلامية على الواقع المعاصر، ذاهلاً هذا الذهن عن التحولات المعاصرة الحاصلة، وإن الدولة الإسلامية استمدت شرعيتها من الفتح.. واستحق بذلك المسلمون أن يحكموا وأن يطبقوا الشريعة بغض النظر عن كونهم أقلية أم أغلبية ما داموا مع غير المسلمين الخاضعين للدولة المسلمة بل أيضاً مع المسلمين المنتمين إليها فأصبح السيف مصدراً لشرعية الحكم، يورث تلك الشرعية لأبنائه.. فتصبح الحقوق هنا كالجنسية والمشاركة في السلطة والثروة منحاً ومكرمات… ولم ينتبه المسلمون إلى أن تلك الشرعية قد قادت المسلمين إلى ضعف شديد عبر التنازع الذي لا ينتهي على السلطة … وأداته السيف وإزهاق الدماء… وتهميش الأمة وإقصاؤها عن حقها باعتبارها هي المستخلفة عن الله… لقد ذهل المسلمون المعاصرون عن أن دولة الفتح قد أطاح بها الاحتلال وبعد لأي شاء الله للأمة أن تنهض ببرها وفاجرها… مسلمين وعلمانيين يناوشون المستعمر مطالبين بالاستقلال حتى حصلوا عليه وانتصب منهم حكام منهم التقي ومنهم الشقي – وأصبحت الدولة – نظرياً على الأقل – تقوم لا على الفتح كما كانت سابقاً – وإنما على مشروعية التحرير أي مشروعية المشاركة العامة في الكفاح بالتساوي بين الساكنين وفي المشاركة في امتلاك الوطن وفي الحقوق والواجبات ومنها واجبات الدفاع عنه والمشاركة في تسييره وحكمه وتنميته وازدهاره، ومن ذلك حقوق التفكير والتعبير وتكوين الجمعيات والأحزاب للمشاركة في الشئون العامة والتنافس بين أصحاب المشاريع الفكرية والسياسية المختلفة على خدمة الشعب من خلال أحقية أصحاب المشروع الفائز بالقبول الأوسع لمشروعية الحكم غير سالبين غيرهم حق المعارضة والنقد من أجل الإقناع، إقناع الشعب بتزكيتهم في الدورة اللاحقة بما يحقق تداول السلطة سلمياً كتداول الثروة حسب مقتضيات القانون، وفي هذا الإطار لا مجال لأحد لادعاء الوصاية على الشعب وحكمه طوعاً أو كرهاً يستوي في ذلك أصحاب كل المشاريع بقطع النظر عن نوع مرجعيتها أرضية أم سماوية .

إن الجميع يمتلكون نفس الحقوق ويخضعون لنفس المقاييس في الحكم على مشاريعهم .. إن سبيلهم إلى الحكم واحد هو التفويض الشعبي عبر الانتخابات الحرة النزيهة لا يمنع منها أحد.

والشريعة ذاتها لئن كان مصدرها إلهياً فإن سبيلها إلى التطبيق يمر حتماً عبر التفويض الشعبي لا سيما وأن المشروع المجتمعي الإسلامي لئن كانت أصوله العامة سماوية فتفاصيله أرضية اجتهادية.. الأمر الذي يسمح بتنافس وتعدد المشاريع الإسلامية فضلاً عن تنافسها مع غيرها وماذا تفعل إذا تعددت الاجتهادات الإسلامية غير الاحتكام إلى الرأي العام لقبول هذا المشروع ورفض ذاك.

إن أهم الضوابط التي تفرض على الحرية في هذه الحالة إنما تتعلق بحماية الآداب العاملة والمصالح العامة… ومنها الهوية الوطنية واستقلال وعزة الأمة… إن بعض الإسلاميين لم يشعروا بعد بهذه النقلة من شرعية الفتح إلى شرعية التحرير والمواطنة وذلك بسبب استمرار فقه المرحلة السابقة على التعددية الفكرية والسياسية، والتنافس أمام صناديق الاقتراع حتى في الإطار الإسلامي ذاته هو الفيصل فضلاً عن قابلية التنافس مع أصحاب المذاهب الأخرى.

رصيد العلمانية في البقاء يستند إلى امتلاكها سلطة القمع.   

إن توجس بعض الإسلاميين من الحرية والديمقراطية مرجعه إلى استمرار فقه مرحلة الفتح وغلبة فقه سد الذرائع وهو توجس في غير محله ولا مبرر له، بل وإنه لمحزن حقاً أن يخشى الحرية من يرددون في غير فقه ما يصرح به كتابهم من تحديات للخصوم “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” “وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين” “قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه” فضلاً عن الزواجر القاطعة، المانعة الإكراه في الدين “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” “وما أنت عليهم بجبار” “لست عليهم بمسيطر” “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” إن هذا الخوف من الحرية يكشف عن أزمة في ضمير المسلم تجاه عالم لم يساهم في صنعه فهو يتوجس منه لا سيما وأن هذا العالم طافح بالفساد والمنكرات، والمسلم لو صح نظره لعلم أن الإسلام دين الفطرة ودين الفطرة لا يخشى الحرية، وهو دين العقل ولم يسجل التاريخ أنه انهزم في مناظرة ، بل هو ثورة تحررية شاملة لا سيما وأن هذه الأمة على ما أصابها من فساد لا يزال الإسلام أعرق مكون لشخصيتها الفردية والجماعية إضافة إلى أن كل المذاهب المادية تعيش حالة من الارتكاس والانحسار والتراجع فماذا يخيف هذا المسلم من الحرية والتنافس الحر مع أصحاب المذاهب الأخرى غير انفصاله عن الواقع بما يشبه الغيبوبة.. وخوفه من عالم قاهر متقلب لم يساهم في صنعه ولم تتح له فرصة التعرف عليه من قرب، اللهم إلا من خلال الجيوش الغازية والقنوات الطافحة بالشرور والأنظمة المستبدة المدعومة من سادة العصر.

إن المسلم لو تأمل في حصيلة تجربة الدعوة الإسلامية المعاصرة لأدرك في يقين أن الحرية أعظم الخيرات بعد الإيمان، بل هي طريقه، وإنه حيث توفر للدعوة الإسلامية مجال ولو محدوداً من التنافس مع الدعوات الأخرى فإنها تسبق غيرها من الدعوات أو المذاهب المعاصرة مهمشة في زمن قياسي دعوات حاكمة منذ عشرات السنين، كما حصل في بلاد إسلامية في قلب العالم الإسلامي… الأمر الذي يثبت معه أن رصيد العلمانية في البقاء يستند إلى امتلاكها سلطة القمع ويكون في هذه الحالة خوف المسلم من الحرية هو خوفه من المستقبل بل تنكب عن المستقبل؟ إنه يكاد يستوي في المعنى القول بأن المستقبل للحرية مع القول بأن المستقبل للإسلام.

خوف المسلم من الحرية شبيه بخوف المريض من الدواء.. ذلك أن الدكتاتورية هي العلة الكبرى والعقبة الكؤود أمام أمم كثيرة وأمام بشرية متعطشة للإسلام، ألم تثبت التجربة المتكررة في السنوات الأخيرة أنه لا منافس حقيقياً للإسلام أمام صناديق الاقتراع حيثما كان ذلك ممكنا وحتى والعلمانية حاكمة فكيف لو حكم الإسلام واشتعلت كل آلياته العقدية والتربوية والتشريعية والاقتصادية؟ هل يبقى من شيء إلا يسبح بحمد الله؟ “وإن من شيء إلا يسبح بحمده” “وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا”. 

ولو أننا افترضنا جدلا- وجود المنافس الحقيقي للمشروع الإسلامي فإن المفترض في حامل دعوة العلم والإيمان أن يقبل المنافسة وألا يفر منها وأن يرحب بصناديق الانتخاب، ويقبل بنتائجها غالباً أو مغلوباً، موقناً أن العاقبة للمتقين، مع أنه من الجدير بالملاحظة التذكير بأن رسالة الإسلام لا تستهدف محو الشر من العالم جملة، فليس ذلك مقصوداً في الخلق القائم على تواصل التدافع أبداً بين الحق والباطل، وإنما هدفها إظهار الحق على الباطل، وإفساح مجال حرية الاختيار أمام البشر “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” واعتراف الإسلام بوجود التعدد الديني ومنعه الإكراه هو الذي أتاح لأصحاب العقائد الأخرى أن يستمر بقاؤها في أرض يسودها الإسلام حتى يومنا هذا وهو الذي أبعد شبح حروب إبادة ضد أصحاب العقائد الأخرى، عكس ما فعله الآخرون في الأندلس والبوسنة والهند وغيرها من البلاد.  

X